أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
21
التوحيد
فيكون أقلّه اثنين ، وكل ذي ضد تحت الفناء إذ يهلك ضده ، وعلى ذلك كل شيء سواه له ضد يفنى به ، وشكل يعد له ويصير به زوجا ، فحاصل تأويل قوله : " واحد " أي في العظمة والكبرياء ، وفي القدرة والسلطان ، وواحد بالتوحّد عن الأشباه والأضداد ؛ ولذلك بطل القول فيه بالجسم والعرض إذ هما تأويلا الأشياء . وإذ ثبت ذا بطل تقدير جميع ما يضاف إليه من الخلق ، ويوصف به من الصفات بما يفهم منه لو أضيف إلى الخلق ووصف به ، وباللّه التوفيق . وفي ذلك ظهور تعنّت المشبّهة ، وذلك سبب إلحاد من ألحد : أنه ظنّ به ما احتمله الشاهد . فمنهم من جعله أحد الأعيان ، وأنكر الصانع للعالم ودعى أنه على ما عليه في الأزل ، ومنهم من صيّره محتملا للحوادث وأنكر حدثه وزعم أن غيره حوادث اعترضت بقوته وهم أصحاب الهيولى ، والمسلمون لزمهم القول بهستيّته ضرورة فقالوا ، ونفوا عنه جميع ما احتمل غيره ، إذ احتمل غيره التفاضل في الذوات ، والاختلاف في الصفات ، أو احتمل غيره الاستحالة والتغير بما يتمكّن فيه الزيادة والنقصان ، وإن كان بعض ذلك ثوابت فهو نوع المحتمل لذلك ، على أن ثباته بالتسخير على ما هو عليه من دوام الحركة أو السكون ، أو باحتمال التضاد الذي هو آفة الموجود بما فيه احتمال الفناء ووجود الأشباه له ليبطل عنه صفة الكمال والتمام ، أو تمكّن النهاية له ، والحد الذي يتوهّم معه الأتم والأنقص ، والأوفر والأقصر ، فهذه الوجوه من آيات حدث العالم وأدلة محدثة . فلو كان لمحدثه مما به عرف حدث العالم وأن له محدثا ليلحقه من ذلك الوجه ما لحق غيره ، وفيه فساد العالم ، وشهادته على محدث حكيم عليم متعال عن الأشباه والأضداد . مع ما كان كل غير له حدث من جميع الوجوه ، فلو كان لشيء منه شبه يسقط عنه من ذلك القدم ، أو عن غيره الحدث ، ولا قوة إلّا باللّه . على أن الشبه من كل جهة في الخلق ممتنع ؛ لما يصير واحدا ، وإنما يكون في جهة دون جهة ، فلو وصف بالشّبه بغيره بجهة فيصير من ذلك الوجه كأحد الخلق ، ولا قوة إلّا باللّه . قال الشيخ أبو منصور رحمه اللّه : وليس في إثبات الأسماء وتحقيق الصفات تشابه لنفي حقائق ما في الخلق عنه كالهستيّة والثبات ، ولكن الأسماء لما لم يحتمل التعريف ولا تحقيق الذات بحق الربوبية إلا بذلك ؛ إذ لا وجه لمعرفة غائب إلا بدلالة الشاهد . ثم إذا أريد الوصف بالعلو والجلال فذلك طريق المعرفة في الشاهد ، وإمكان القول ؛ إذ لا يحتمل وسعنا العرفان بالتسمية بغير الذي شاهدنا ، ولا الإشارة إلى ما لا نأخذ من الحس وحق العيان ، لو احتمل وسعنا ذلك لقلنا ذلك ، لكنا أردنا به ما يسقط الشّبه من قولنا : عالم لا كالعلماء ، وهذا النوع في كل ما نسميه به ونصفه ، واللّه الموفق .